في الذكرى الخامسة لإطلاق نداء المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة إسرائيل: جردة حساب عالمية وعربية يبشّر بعضها بالخير.. وبـ «الخطر الوجودي» على العدو

ناي الراعي

لم تبق قضية الا وانقسمت الكرة الأرضية حولها. حتى تغّير المناخ، الذي سيقضي عاجلاً ام آجلاً على الجميع، ووُجد بين سكان الكوكب من لا يشعر بضرورة التحرك للحد من تأثيره، لا بل ووجد أيضاً من شكك بخطورته.

إلا أن نقاشاً يحتدم اليوم حول حركة يرجح عدد من المشاركين فيها أنها قد تتمكن من جمع الكوكب حولها، في القريب المنظور.
انها الـBDS ، وهي حركة مقاطعة إسرائيل، وسحب الإستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، التي بدأت بنداء أطلقه المجتمع المدني الفلسطيني في التاسع من تموز 2005 (تصادف ذكراه الخامسة غداً). كانت المناسبة يومها، الذكرى السنوية الأولى لصدور قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بإدانةَ جدار الفصل العنصري. فتمثّل احتفال الفلسطينيين بالقرار بتواقّيع ما يزيد على مئة وسبعين اتّحادًا ومنظّمةً وحزبا سياسيا واتحادا نقابيا وحركة جماهيرية فلسطينية (في فلسطين التاريخية والشتات)، على رأسها الهيئة التنسيقية للقوى الوطنية والإسلامية، التي تَشْمل أهمَّ القوى السياسية على الساحة الفلسطينية، نداءً يدعو إلى مقاومة مدنية عالمية ضد إسرائيل، عن طريق مقاطعتها وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها.

وبالرغم من أن المجتمع المدني الفلسطيني استلهم التجربة النضالية المقاومة لنظام «الأبرثايد» في جنوب أفريقيا لإطلاق هذه الحملة المعاصرة، إلّا أنها تعتبر «امتداداً طبيعياً للمقاومة المدنية الفلسطينية»، حسبما يشير مؤسس الهيئة الوطنية لحملة المقاطعة عمر البرغوثي: «اذ ان جذور الكفاح الشعبي الفلسطيني في مقاومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين تمتد إلى ما يقارب القرن، وقد انتشرت المقاطعة والاعتصامات والإضرابات والتظاهرات في أوساط النقابات والحركات الاجتماعية والسياسية العربية – الفلسطينية ضد الاستعمار، منذ ثورة 1936»، يقول.

يهدف النداء هذا، الذي يدعو إلى اتباع أشكال مختلفة من مقاطعة إسرائيل في المجالات الاقتصادية والأكاديمية والثقافية والرياضية وغيرها، الى «دفع اسرائيل حتى تمتثل امتثالاً كاملاً لالتزاماتها بحسب القانون الدولي والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان». وذلك عن طريق، أولاً: إنهاء احتلالها واستعمارها لكل الأراضي العربية [المحتلة عام 1967 وتفكيك الجدار، ثانياً الاعتراف بالحق الأساسي بالمساواة الكاملة لمواطنيها العرب الفلسطينيين، وثالثاً احترام وحماية ودعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم، كما هو منصوص عليه في قرار الأمم المتحدة رقم 194. ويؤكد البرغوثي ان تحقيق المطالب الثلاثة الأساسية المذكورة «من شأنه أن يفي فقط بالحد الأدنى من متطلبات الشعب الفلسطيني من اجل ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير».

وكان التفاعل الشعبي الفلسطيني قد بدأ حتى قبل قرار لاهاي بأشهر في العام 2004، اذ أُطلقت «الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل» (PACBI) نداءها للمقاطعة بشراكةٍ مع «اللجنة البريطانية من أجل الجامعات في فلسطين» (BRICUP) . ما أطلق كرة الثلج فبدأت سلسلةَ مبادراتٍ أفضت إلى تبنّي اتّحاد الجامعات والكلّيات (UCU)، وهو أكبرُ نقابة أساتذة جامعات في بريطانيا، قراراتٍ تَدْعم، ولو بشكلٍ غير مباشر، مسيرةَ المقاطعة الأكاديمية التدريجية لإسرائيل. كما انضمّت أكبر نقابتيْ عمّال في بريطانيا واتّحاد الصحفيين البريطانيين إلى المقاطعة، وكذلك اتّحادُ نقابات العمّال في جنوب أفريقيا (COSATU)، وعدةُ نقاباتٍ مهمّة في كندا، وأخرى في إيرلندا واسكتلندا، وغيرها.

المقاطعة الاقتصادية

تبدو استجابة المجتمعات المدنية في عدد من دول العالم الكبرى تلقائية وايجابية كما يشير تقييم اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة – قيادة حملة المقاطعة (BDS)، للحملة بعد خمس سنوات من انطلاقها: «تتجاوز إنجازات الحملة جميع التوقعات المتفائلة بيننا»، يعلن البرغوثي، ويكمل: «فالآن يمكنني القول بدقة أن اللحظة «الجنوبأفريقية» لشعبنا الفلسطيني قد حانت».

من كندا إلى بريطانيا وفرنسا، ومن كبريات نقابات العمال إلى صناديق التقاعد والاستثمار وغيرها، أصبحت مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها «تحقق تقدماً متسارعاً، مستداماً، ومخططاً له بعناية وبدرجة عالية من الإبداع المحلي في كل موقع»، بحسب البرغوثي. ففي بريطانيا مثلاً، حيث تنشط حركة المقاطعة الإقتصادية والأكاديمية والثقافية، تدرك «الحملة الكبيرة» ان «صادرات الخضار الإسرائيلية الى السوق الأوروبية بغاية الأهمية للإقتصاد الإسرائيلي لأنها تبلغ نسبة الثمانين في المئة من مجمل صادراتها، وتشكل المملكة المتحدة السوق الاضخم لها»، حسب موقع «الحملة الكبيرة» الإكتروني. وانطلاقاًُ من هذه المعلومة ومن ادراكهم أن شركة «كارمل اغريكسكو هي اكبر مصدر للمنتوجات الزراعية في اسرائيل، من أكثر المستفيدين من السوق البريطاني»، قررت الحملة «مساءلة السوبرماركات الكبرى عن مصادر بضائعها، ومقاطعتها ان كانت من انتاج المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية». وقد شكلت هذه الخطوة بداية ترويج هذه الحملة المدنية البريطانية لما يسمى «مقاطعة المستهلك»، للضغط على الشركات والمحال التي تبيع البضائع الإسرائيلية. أما اتحاد عمّال الموانئ السويدي فقرر منع تحميل البضائع من والى اسرائيل منتصف الشهر الفائت، وذلك «بسبب الهجوم الإسرائيلي على البواخر التي حاولت رفع الحصار عن غزة»، معلنين ان الإتحاد «مصر على محاكمة المسؤولين ورفع الحصار»، حسب تصريح مدير عام الإتحاد بيورم بورغ الذي اعلن ان المنع سيمتد من منتصف الخامس عشر من حزيران حتى منتصف ليل الرابع والعشرين منه.
وأعلن البنك الألماني الضخم «دويتش» مؤخراً سحب استثماره من شركة «إلبيت» الإسرائيلية المتورطة في بيع أجهزة مراقبة لجدار الضم والفصل العنصري وأسلحة استخدمت ضد المدنيين في مجزرة غزة.. بالإضافة الى ان صندوق التقاعد النرويجي، وهو الثالث حجماً في العالم بعد نظيريه الإماراتي والسعودي، قام بسحب استثماراته من الشركة ذاتها، ويدرس فعل الشيء ذاته مع شركات دولية متورطة في انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني.

المقاطعة الثقافية

كان ذلك على صعيد المقاطعة الإقتصادية. أما في ما يخص المقاطعة الثقافية فقد نشأت في فلسطين المحتلة منذ العام 2004 حين انضمّ عشراتُ الكتّاب والفنّانين والمثقّفين المرموقين إلى المقاطعة الثقافية لإسرائيل. ما أثار ضجّةً عالميةً حينها. ويوم اعلنت اسرائيل اقامة الاحتفالات بالذكرى الستّين لتأسيسها في العام 2008، اتّبعتِ الحملةُ أسلوبَ الرسائل المفتوحة لدعوة الفنّانين والكتّاب المرموقين، كلاً على حِدة، إلى عدم المشاركة في الاحتفالات. وقد نجح هذا التكتيكُ في إقناع البعض مثل المغنّي الشهير بونو، وفرقةِ الرولينغ ستونز.
وصلت الحملة الى كندا، مع مجموعة «احرار الجنس ضد الأبرثايد الإسرائيلي»، التي هددت بمقاطعة المسيرة السنوية لأحرار الجنس المقامة هذه السنة في تورونتو على مدى اسبوع (من 25 حزيران إلى الرابع من تموز) والمعروفة باسم: «برايد تورونتو»، بعد اعلان ادارة المسيرة أن جملة «الأبارثايد الإسرائيلي» ستحذف من المسيرة هذه السنة، في محاولة لإقصاء المجموعة المناهضة للإبارثايد من المسيرة. تعتبر الناشطة في المجموعة سامانتا غارمون في حديث مع «السفير» ان «محاولة منع النقاش السياسي في البرايد، يشكل احدى وسائل السياسة الإسرائيلية وهي اسكات معارضيها حول العالم»، مشيرةً الى ان هذه المحاولات في اضطراد اليوم في كندا «بسبب النجاح الذي حققه الناشطون المناصرون للقضية الفلسطينية هنا في السنوات الأخيرة». تجدر الإشارة الى ان كندا كانت اول من تبنى النداء الفلسطيني لمقاطعة اسرائيل، وسحب الإستثمارات منها حتى تنصاع للقانون الدولي، عبر تنظيمها لأسبوع الأبارثايد الإسرائيلي في جامعة تورنتو في العام 2005، الذي اصبح اليوم مناسبة سياسية سنوية.

… أما في عالمنا العربي

الأمر مختلف في العالم العربي. ففي لبنان، نشط المجتمع المدني في هذا المجال منذ العام 2002، وانطلقت يومها مجموعة من الناشطين مع رئيس تحرير مجلة «الآداب» د. سماح إدريس، وصدرت حينها مجموعة من الأبحاث نقبت ووثقت ما تجب مقاطعته. الا انه «في لبنان، الجو مرتاح أكثر، لوجود قانون الـ1955، الذي يجرّم التطبيع والتعامل مع اسرائيل»، تشير الناشطة رانية المصري، وتكمل: «ربما لذلك، الحركة اهدأ هنا من الدول حيث القانون يتيح التعامل مع اسرائيل». الا ان النشاطات المروجة للمقاطعة اليوم لم تعد مثل قبل حسب الناشطة يارا الحركة: «لأنها اليوم باتت تأتي كرد فعل، كما انها بحاجة الى رؤية جديدة، حتى نتوجه لأشخاص جدد وجمهور جديد بالإضافة الى الحاجة للبننة الصراع، واظهار ان لبنان ايضاً متضرر من اسرائيل»، تقول. وقد شاركت الحركة في التحرك الذي طالب بمقاطعة فرقة الروك الإنكليزية «بلاسيبو»، التي لعبت موسيقاها في لبنان بعد اسرائيل بعيد هجوم القوات المسلحة الإسرائيلية على «أسطول الحرية»: «الناس الذين توافدوا لحضور بلاسيبو، بمعظمهم، لا يدرون لماذا تجب مقاطعتها، علينا ان نتوجه اليهم»، تجزم.
ورغم حاجة الحركة الى قيادة مدنية «التي نفتقر اليها في لبنان»، الا ان مفهومها يتوسع ليشمل «المقاطعة الأكاديمية والثقافية» بحسب المصري، التي نشطت في مجال المقاطعة الأكاديمية وشاركت في البيان الصادر عن الأكاديميين في لبنان. ونص البيان: «… نحثّ زملاءنا، إقليمياً ودولياً، على مناهضة هذه الجرائم المستمرة ضد المدارس وعلى دعم هذا الطلب السلمي والمحق بمقاطعة إسرائيل وتجريدها من حقوقها ومعاقبتها أكاديمياً. وبشكل خاص، نطلب من زملائنا في العالم أجمع أن يدعموا النداء، الذي أطلقته الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، لمقاطعة كل المؤسسات الأكاديمية والثقافية والانسحاب منها بشكل شامل وثابت، وللإحجام عن المشاركة في أي شكل من أشكال التعاون الأكاديمي والثقافي أو المساهمة في مشاريع مع مؤسسات إسرائيلية أو الإنضمام إليها، وذلك مساهمةً منهم في النضال الهادف إلى إنهاء الاحتلال والاستعمار ونظام التمييز العنصري الذي تمارسه إسرائيل». من هنا، تشدد المصري على ان «الحركة تكبر وتتوسع لتشمل وجوها غير المقاطعة الإقتصادية»، اما الحركة، فترى «اننا نتوسع لكننا لا نصل للشرائح الإجتماعية المختلفة».

وترى المصري ان «القانون الذي يجرم التطبيع واضح ومباشر ما يجعل محاولات التطبيع مغلفة وغير مباشرة، ونحن نعمل على احكامه لمنع هذه المحاولات نهائياً». من هنا، بدأت الحملة مؤخراً بالعمل لتعديل القانون 1955 ليشمل التطبيع الثقافي والأكاديمي.
أمـــا في الـــعالم العربي فإلى جانب «الغياب شبـــه التام للمجتمع المدني، باستــثناء فلسطين ولبنان»، الا ان «التأييد الرسمي العربي يبقى لفظياً بل ويفتقد للجدوى أو التأثير طالما لم يتجاوز التنديد والشـعارات العـــاطفية الفارغة ليصل إلى الفعل المخطط لعزل الشركــــات الدولـــية الداعمة لإسرائيل والمتورطة في انتهاكات حقــوق الإنسان في فلسطين ولبنان وغيرها»، بحسب البرغوثي.
شعبياً

على الصعيد الشعبي، المقاطعة منتشرة منذ النكبة «بدليل أن ما يسمى بالسلام بين إسرائيل وكل من مصر والأردن بقي على مدى عقود سلاماً بارداً، نخبوياً، معزولاً عن الجماهير في البلدين»، على حد تعبير البرغوثي. ويكمل: «والبضائع الإسرائيلية، رغم كل الحديث عن اختراقها للسوق العربية، لا تشكل خطراً حقيقياً حتى الآن، باستثناء في أماكن محدودة، كإمارة دبي، حيث توجد متاجر إسرائيلية علناً». وهنا اشارة الى ان مجوهرات «ليفياف»، لصاحبها رجل الأعمال الإسرائيلي ليف ليفياف، ستفتتح فرعاً لها في دبي قريباً.
«التحدي الأهم بما لا يقارن على صعيد مقاطعة إسرائيل عربياً يتلخص في تحويل الدعم الشعبي العربي البديهي والقوي للمقاطعة إلى قوة دفع مؤثرة قادرة على إقصاء الشركات العالمية الداعمة لإسرائيل من العقود والعطاءات الكبيرة، بالذات الحكومية»، يقول البرغوثي. ويعطي امثلة عن دول الخليج العربي، التي «تبحث الآن مشروع سكة حديدية يربطها، بكلفة قد تفوق 100 مليار دولار، وأهم الشركات المرشحة للفوز بنسبة كبيرة من عقود المشروع هي «ألستوم» و «فيوليا» الفرنسيتان، المتورطتان في مشروع «قطار القدس الخفيف» الإسرائيلي، الهادف إلى تعزيز السيطرة الاستعمارية الإسرائيلية على القدس عبر ربط المستعمرات المحيطة بها بالمدينة لمحاصرة «جيوب» الفلسطينيين المتبقية وترحيلهم تدريجياً. ما يتكرر في مشروع ربط مكة المكرمة بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، أو ما يسمى قطار الحرمين»، يقول البرغوثي.

يدرك مناصرو حقوق الفلسطينيين حجم القوة الكامنة للحملة الفلسطينية المقاطعة لإسرائيل. ويبدو انهم ليسوا الوحيدين الذين يدركون ذلك، فقد حذر المدير التنفيذي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) في أثناء انعقاد مؤتمر اللجنة في أيار 2009 أن جهود المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات آخذة في الوصول إلى عموم الأمريكيين و«تهيئ الأرضية للتخلي عن إسرائيل».
يتطرق البرغوثي إلى مؤتمر هرتسليا الأخير، وهو الأهم من حيث وضع الاستراتيجيات الإسرائيلية وتقويم المخاطر التي تتهدد الدولة، «حيث وصفت أكثر من دراسة حملة المقاطعة بـ «الخطر الوجودي» على دولة إسرائيل، الموقف الذي ناقشته الحكومة الإسرائيلية بجدية والذي حفز 25 عضو كنيست على طرح مشروع قرار يعاقب كل من يدعو إلى أو يدعم أي شكل من أشكال مقاطعة إسرائيل».
ناي الراعي

Comments are closed.

%d bloggers like this: