«المقاطعة» وسيلة مثلى للنضال السلمي

الأحد, 18 أبريل 2010

غالية قباني

على الكاتبة الكندية مارغريت آتوود ألا تفاجأ برسالة طلبة معاهد وجامعة غزة العشرة، التي تطالبها بالإمتناع عن تسلم جائزة «دان ديفيد» من جامعة تل ابيب للآداب، الشهر المقبل، فهي ليست مجرد كاتبة شهيرة تبيع كتبها مئات الآلاف من النسخ، بل ناشطة نسوية بامتياز تدافع بشراسة عن أوضاع النساء ضمن دفاعها عن حقوق الانسان عامة، وهي مناهضة للحروب في تاريخ يعود الى زمن انغماس الولايات المتحدة في حرب فيتنام. الكاتبة تلقت رسائل أخرى مشابهة مختلفة الصياغة إلا أنها تحمل نفس الرجاء، من جهات، بعضها يهودي أو اسرائيلي، تؤمن بأهمية المقاطعة كوسيلة للنضال ضد الإحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية. لم لا؟ ألم تنجح حملة مقاطعة نظام روديسيا البيضاء وجنوب افريقيا العنصريين، بذات الوسيلة؟

يذكر الطلبة الغزاويون في رسالتهم لآتوود أن أجدادهم الفلسطينيين اقتلعوا من أراضيهم في نكبة 1948، ولا تزال غالبيتهم تحتفظ بمفاتيح بيوتها الأصلية في خزائنها، وسيترك الأجداد تلك المفاتيح في عهدة الأبناء اذا ما رحلوا. انها صورة أدبية ستؤثر ولا بد بالكاتبة العتيدة التي احتفلت قبل شهور بعيد ميلادها السبعين، عندما تتخيل المفاتيح التي لا تزال تنتظر أبوابها وأصحابها. ربما كانت تلك الأمنية غير وقعية، ولكن المبدعة التي شغلت العالم بكتابتها وأصبحت واحدة من أشهر الكاتبات اليوم، لا بسبب كتبها والجوائز التي حصلت عليها فقط، بل بسبب مواقفها من قضايا أخلاقية وبيئية وسياسية، ستلتقط الحلم كرمز له دلالته الابداعية ولا بد أن تتأثر به وتحترمه.

واذا مضت قليلاً في قراءة الرسالة الطلابية، ستقرأ ما ينبهها الى متتاليات القصف المركز على غزة السنة الماضية، فالمدارس والبيوت والمستشفيات لم يعد بناؤها من حينها، بسبب الحصار الاسرائيلي الذي يمنع مرور المواد الانشائية ضمن ما يمنعه على غزة، فيبيت العديد من الأهالي ويتعلمون في الخيام، (مكررين مأساة الأجداد). حتى الآن قد لا يستوقف الكاتبة الكبيرة كل ما سبق بحجة ان لا علاقة له بالجامعة، وقد تصرّ على الحضور شخصياً لاستلام الجائزة، ولكن الرسالة تلفت نظرها الى منح التعليم التي تقدمها الجامعات الغربية وتضيع على كثير منهم بسبب رفض اسرائيل السماح لهم بالخروج، لأن الحصار لا ينفصل عن حملة التجهيل التي ترتكب مع سابق التصميم ضد الفلسطينيين. وقد يهم الكاتبة أن تعرف أن نسخ كتبها غير متوافرة في غزة لمحبي رواياتها وقصصها، لا عبر موقع أمازون ولا عبر أكشاك البيع العادي، وهو ما يطاول كل الكتب الأخرى أيضا. ومن العار حقاً، ألا يستوقف هذه الواقع الكتّاب البارزين، وأن يدّعوا عدم معرفتهم بحقيقة أن غزة غدت خارج تاريخ الحراك الثقافي والاجتماعي والاقتصادي على الكرة الأرضية، بحجة معاقبة حركة حماس.

لم تكن تلك الرسالة الوحيدة التي استلمتها مارغريت آتوود منذ الاعلان عن الجائزة أواخر آذار (مارس) الماضي، فقد أرسل لها مواطنها الكندي جون غريسون، وهو مخرج وأكاديمي في جامعة «يورك» الكندية، رسالة مفتوحة يتساءل فيها ان كانت آتوود ستنضم إلى حملة المقاطعة ضد اسرائيل التي راحت تتسع عالمياً. ويسألها في حال قررت تسلم الجائزة، إن كانت ستنتقد بصوت عال جرائم اسرائيل، أو إن كانت ستتبرع بجزء من قيمة الجائزة لصالح مجموعات الكتابة الابداعية المحاصرة في غزة. وينهي غريسون رسالته بلهجة معاتبة متسائلاً: «أم ستصمتين، وتتركيننا نتساءل عن سبب رفض مارغريت آتوود الخوض في هذا الصراع!».

أنا واحدة من المتحمسين لتلك الرسائل وغيرها من وسائل النضال السلمي، للحصول على الحقوق القومية والوطنية المشروعة، بما لا ينفي حق الاعتصام والاضراب وحملات الرسائل الالكترونية وغيرها، اضافة إلى مقاطعة البضائع والفعاليات الرسمية. إنه شكل النضال الذي يحتاجه الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه، بعد أن فشل أسلوب الجسد المتشظي الذي يصطحب معه ضحايا آخرين من البشر باتجاه الموت، كوسيلة للمقاومة وتحرير الأراضي المحتلة. لقد بدأ الفلسطينيون وكل من يساند قضيتهم في العالم في السنوات الأخيرة، حملة جريئة لمماهاة الصهيونية بنظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا، وهذا ما أكده القس توتو الذي عاش تحت ذلك النظام وعانى منه ضمن كل من عانوا من السكان الأفارقة الاصليين، وقد أعلن صراحة أن ما يمارس ضد الشعب الفلسطيني من قبل الاسرائيليين، لم يمارس حتى في جنوب افريقيا. إن فكرة النظال السلمي تحمل في طياتها مبررات أخلاقية تشجع شعوب العالم على التعاطف مع القضية الفلسطينية، بمن فيهم جانب من اليهود، وهذا ما نراه في جمعيات ومنظمات تدين العنف الاسرائيلي كدولة عنصرية، منظمات مثل «يهود من أجل العدالة» و»الشبكة العالمية لليهود ضد الصهيونية»، من غير أن ننسى الأفراد، من سينمائيين وأدباء ومثقفين يهود يدافعون عن حق الفلسطينيين في وطن مستقل، ويناهضون الاحتلال الاسرائيلي للضفة وغزة.

تؤثر هذه اللفتات البسيطة التي تتناقلها وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية عبر العالم، بصورة أو بأخرى، في التعاطف مع الضحية، بدل أن تساوي بينها وبين المغتصب. وهناك تغيير في سمعة اسرائيل بات يربط بينها وبين العنصرية، وفي ظل هذا الوعي بعدم عدالة الأوضاع التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ما عاد يمكن لكثير من الحكومات الغربية، تجاهل الضغوط الشعبية لاتخاذ موقف ما صارم تجاه اسرائيل. وفي بريطانيا تحديدا، وبالاضافة الى القضايا التي يحركها ناشطون لإلقاء القبض على مسؤولين اسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، فإن حملات المقاطعة على أشكالها في ازدياد، الى حد أنه بات روتيناً شبه يومي وصول رسائل ألكترونية من حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني (بالستاين سوليدرتي كامبين)، تطالب الأفراد باتخاذ بعض المواقف، من بينها بالضغط على أسواق السوبرماركت لإزالة بضائع مستوردة من المستوطنات الاسرائيلية، تحت شعار أنها «بضاعة منتجة على أرض مسروقة»، هذا إضافة الى أنه بات للقضية الفلسطينية مساندون جدد في البرلمان البريطاني، وهم على قلتهم، يرعون أنشطة دائمة تساند الفلسطينيين. إذن في مقابل الحصار على غزة، هناك حملة مقاطعة تنمو دولياً على المستوى الأخلاقي في أقل تقدير، تفضح السلوك العدواني لنظام تفوق على نظام الفصل العنصري في وحشيته وخرقه للقوانين الدولية ولمبادئ حقوق الانسان. ورسالة مثل التي وجهت لمارغريت آتوود ستلفت الانتباه، ولا بد، الى الوضع المخزي لجامعة تل أبيب.

Comments are closed.

%d bloggers like this: